العاملي
88
الانتصار
فهذا هو منطق التبليغ ، وحسب ! ولذلك لم يشاورهم النبي صلى الله عليه وآله في بيعة علي ، لأن اختيار الله تعالى لا يحتاج إلى مشورتهم ولا بيعتهم ولا رضاهم . . لقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله أن يشاورهم ليتألفهم ، ويسيّرهم معه في الطريق الصحيح . . وفي نفس الوقت أمره : إذا عزمت فتوكل ، ولا تسمع لكلام مخلوق ، لأنك تسير بهدى الخالق ! أما إذا عزم الله تعالى واختار ولياً بعد نبيه صلى الله عليه وآله ، وقال لنبيه بلغ ولا تخف ، ولست مسؤولاً عن إطاعة من أطاع ومعصية من عصى . . فليس للمشاورة ولا للبيعة محل من الإعراب ! لقد طلب منهم الرسول صلى الله عليه وآله تهنئة علي عليه السلام إقراراً بالاختيار الإلهي ، وهي تهنئةٌ أقوى من البيعة وألزم منها للأعناق . . ثم ليفعلوا بعدها ما يحلو لهم . . فإنما على النبي صلى الله عليه وآله أن يبلغهم ، وحسابهم على من يملك كل الأوراق ، ويملك الدنيا والآخرة ، ويفعل ما يريد . . سبحانه وتعالى ! ومضافاً إلى التهنئة ، طلب منهم النبي البيعة لعلي ، ومعناه أنه طلب منهم أيضاً إعلان التزامهم بإطاعة علي عليه السلام . . فأعلنوا ! لكن الأمر لا يختلف من ناحية شرعية وحقوقية ، فسواء أمرهم ببيعة علي أم بتهنئته فقط . . فإن تبليغ الولاية أقوى من التهنئة ، والتهنئة أقوى من البيعة ، فالتبليغ اصطفاء . . والتهنئة اعترافٌ وتبريك . . والبيعة تعهدٌ بالالتزام . لقد سكتت قريش آنياً بسبب أنها لم تكن حاضرةً كلها في الجحفة . . وبسبب عنصر المفاجأة ، وظرف المكان والزمان ! ولعلها كانت تقنع نفسها